2014/07/25

من حقّي أن أخالفك



من الأزمات الفكريّة التي ابتُلينا بها هي عقدة النقص ونزعة الإستسلام إزاء كُلّ ما يُطرح علينا من أفكار ومفاهيم، سواءً أن انبعثت تلك الأفكار من مُفكّر دينيّ أو عالم تجريبيّ. إنّ عبارة "لا أؤيّده" أو "أخالفه في الرأيّ" باتت من المحرمّات والتابوهات عند كثير من المدارس الفكريّة المعاصرة. ودعوني أخصّ بالذكر المدارس الإسلاميّة. فالعالِم في بلادنا هو أحد شخصين لا ثالث لهما. إمّا قدّيس أو شيطان! لا وسطيّة بين هذين القطبين المتنافرين، فإمّا أن تقبل بكلّ ما يقوله وإمّا أن ترفضه مرًّة واحدة. ولا يخفى على كُلّ إنسان واعٍ، أنّ كلتا الطريقتين في التفكير قد ولّدتا أورامًا وسرطانات فكريّة خطيرة، استشرت في عقول الشباب وامتدّت في مجاهل لا وعيهم، حتّى تبدّت آثارها المرضيّة المهلكة في مناح شتّى، ابتداءً من الحياة العمليّة وانتهاءً بالتصريحات السياسيّة. 

إنّ فكرة الولاء الأعمى للعالِم أو الشيخ أو المفكّر قد دفعت البعض إلى التمنطق بأحزمة التفجير الناسف ودفعت آخرين إلى الكفر بالدّين وبالله وباليوم الآخر. فحين يطرح عليك أحد الأشخاص فكرًة ما وتستسلم لها بخضوع وإذعان دون أن تتكبّد معاناة التفكير ولو للحظة واحدة، تكون حينها قد انسلخت من انسانيتك وتحوّلت إلى وسيلة وأداة ممكن تطويعها لخدمة أيّ غرض كان. 

إنّ التقديس الأعمى لدعاة الفكر الإسلاميّ أو الإلحاديّ على حدّ سواء. باتت من المظاهر الشائعة التي يبرز فيها السرطان بشكل فاضح لا مراء فيه. فتجد أنٌ بعض الشباب المسلم يستسلم بصورة عمياء لأطروحات مفكّر أو عالم ما، بل وقد يحارب لأجلها أيّة مدرسة فكريّة أخرى مخالفة، وإن كانت إسلاميّة.

وفي الطرف المقابل نجد من الشباب العربيّ أو حتّى الغربيّ ممّن يتعصّب لأطروحات مفكّر إلحاديّ، أو عالم تجريبيّ ما، وكأنّ كلامه بات مُقدّسًا لا يقبل النقاش. فإن قال ذلك المفكّر أو العالم أنّ الله غير موجود أو أنّ الكون أزليّ لا بداية أو نهاية له، أو أنّ الإنسان قد ظهر على الأرض بمحض صدفة عمياء نجمَت عن التطوّر الممتدّ عبر ملايين السنين، وجب علينا تصديق كلّ هذه الأطروحات والإستسلام لها، لأنّ قائلها دارس للبيلوجيا أو باحث في الفلك، أو مختصّ في الفلسفة، وكأنّ كلامه بات مُقدّسًا. وكأنّ التخصّص في مجال ما يعني العصمة والصواب المطلق الذي لا يُخامره شكّ، أيًّا كانت الفكرة المطروحة. 

والمثير للعجب والباعث على السخرية، أنّ كلا الطرفين في مبادئهم الأصيلة يدّعون رفض التقديس الأعمى غير المبنيّ على الدليل والبرهان. فالمسلم يفتخر بكونه متحرّر العقل والفكر، غير أسير لمقولات أيّ إنسان مهما كان، حتّى وإن كان صحابيّ جليل، لأنّ المرجع الأساسيّ عنده هو القرآن والسنةّ، ولأنّه لا عصمة لغير نبيّ! وأمّا الملحد فيُصدّع رؤوس الجميع بعقلانيته واعتماده على العلم والتجربة والبرهان، فلا قداسة لأيّ أطروحة مهما كانت موثّقة علميًّا أو مدعومة بالبحث والتجربة، لأنّ منطق العلم يقوم على التطوّر والتحديث المستمرّ، ولولا هذه العقليّة المرنة في التفكير العلميّ لما توصّل أينشتاين لنظريّة النسبيّة، ولا توصّل نيلز بور لميكانيكا الكمّ. 

وبالرغم من هذا التضارب الصارخ بين النظريّة والتطبيق، يُصرّ البعض على التشبّث بهذه الآليّة في التفكير. ليقع أسيرًا للتعصّب الأعمى وفريسًة للجمود والتبعيّة. حيث تُصبح مجافاة العقل والمنطق أمرًا اعتياديًّا مُستساغًا في ظلّ هذه العقليّة المُغلقة.

إنّ المصيبة أنّ بعض الأشخاص قد توهّموا أنّ مخالفة الآخر في الآراء والأفكار هي حِكر على أصحاب التخصّص الرفيع. فلا يحقّ لك مثلًا أن تُخالف عالمًِا إسلاميًّا حتّى تقرأ جبالًا من الكتب، كتلك التي قرأها، لتصير في قامته العلميّة الرفعيّة، وتتمكّن حينها من طرح رأيك المخالف له.
وبالرّغم من هشاشة هذا المنطق و تعاسة هذا الأسلوب في التفكير، يصرّ البعض على تبنيّه بل ويعدّه مسوًّغا للتلقّف الأعمى لكلّ ما قد يطرحه أيّ عالِم أو مفكّر!

إنّ الخلل الأساسيّ في هذا المنطق يكمن في سوء فهم لمعنى "المخالفة في الرأي" وما يترتّب عليها. 

إنّ المخالفة في الرأي لا تتطلّب أسطولًا من الكتب أو جيشًا من النصوص المحفوظة في رفوف الدماغ، لكنّها تطلب شيئًا أبسط وأعمق من كلّ هذا .... عقلًا حرًّا واعيًا 

إنّ المخالفة في الرآي لا تعني -كما يتوهّم الكثيرون- صواب وجهة نظر المخالِف أو سلامة منطق تفكيره، لكنّها تعني ببساطة أنّ ذلك الشخص قد رفضَ أن يتقبّل كلّ ما يُطرح عليه. رفض أن يكون عبدًا تابعًا لكلّ ما يسمعه أو يقرأه. 

ودعوني هنا أوضّح ما أقصد بمثال بسيط . لنقل أنّك استمعت لإحدى المحاضرات الفكريّة لعالِم أو مفكّر ما. وبعد أن خرجت من المحاضرة وجدت رأسك يعجّ بمعلومات كثيرة -بفرض كانت محاضرة جيّدة-، لكن وبالرغم من كلّ ذلك وجدَت في نفسك ريبة تُجاه إحدى الأفكار التي طرحها ذلك العالِم، في هذه الحالة أمامك خيارات ثلاثة للتعامل مع الموضوع: 

إمّا أن تتقبّل تلك الفكرة بصورة عمياء، فالعالِم لا بدّ أن يكون مصيبًا 

وإمّا أن ترفضها بصورة مطلقة لأنّها تعارضت مع ما تظنّه صحيحًا 

أو أن تأخذ موقفًا محايدًا منها ريثما تبحث وتتحقّق من صحّتها 

في الحالة الأولى تكون قد وقعت في شباك التبعيّة، وأعدُك أنّ شعور الريبة ذاته سيذوي تدريجيًّا حدّ الإختفاء مع كلّ مرّة تستمع فيه لذلك الشخص. فعقلك ببساطة قد وقع تحت وطأة بنج الثقة والتقديس المطلق . ومع الأيّام سينقلب ذلك الشخص لصنم وتنقلب أنت لعبد تدافع عن معبودك بشراسة!

وأمّا إن ذهبتَ مع الخيار الثاني فتكون بذلك قد حققّت لنفسك استقلاليّة في التفكير، لكنّها ليست مبنيّة بالضرورة على منهج علميّ صحيح أو منطق رصين. 

وفي الحالة الثالثة فحسب تكون قد انتهجت أسلوبًا علميًّا راقيًّا يشي بنضج في العقل ورجاحة في التفكير. أنت من الأشخاص الذين يصعب خداعهم أو الضحك عليهم باسم سلطة الدين أو العلم. 

إنّ المتأمّل في هذه الحالات الثلاثة يجد أنّ أكثرها خطورة هو الخيار الأوّل، حيث تكون النتيجة النهائيّة هي العبوديّة والتعطيل الكامل للعقل، وقد ينتج عن هذا الخيار سرطان التقدّيس الخطير آنف الذكر.

لكن علينا أن نعلم في الوقت نفسه، أنّ مخالفتنا في الرأي لشخص ما، لا يُعطي بالضرورة قيمة لرأينا ما لم يكن مدعومًا بحجّة أو منطق سليم. 

يجب أن نكون واعين ويقظين للفرق الدقيق بين الرأي المُخالف ذو الطابع السلبيّ غير المدعوم بالحجة والبرهان. وبين الرأي المُخالف المدعوم بالحجّة والبرهان. كما علينا أن نفرّق بين المواضيع العلميّة وبين المواضيع الفكريّة والفلسفيّة والإنسانيّة. ففي المجالات العلميّة كالفلك والفيزياء والرياضيّات لا قيمة لمخالفتِك ما لم تكون مدعومة بتجربة علميّة محترمة. أمّا في المواضيع الأخرى كالفلسفة والفكر فغالبًا ما يكون المجال أرحب وأوسع للاختلاف، لأنّه يرتكز على منظومات اجتماعيّة ودينيّة وفلسفيّة متشابكة ممّا يُشعّب المخرجات ويجعلها أكثر تنوّعًا واختلافًا. 

إنّ المخالفة في الرأيّ هي ليست دعوة للكسل والجمود! بل يجب أن تكون دافعًا للمرئ لأن يبحث ويقرأ ويتعلّم.
فتكرار رفض رأي الآخر دون حجة أو برهان، قد تُحوّل الإنسان من مُفكّر إلى مُشيطن! ليقع دون أن يشعر في القطب الآخر للسرطان، قطب تكفير وشيطنة الآخر.

ولذلك كان الاستقلال الفكريّ الحقيقيّ كيانًا متماسكًا يتنازعه قطبين متنافرين، قطب الشيطنة وقطب التقديس. 

ومن هنا توجّبَ على الدعاة والمفكّرين أن يعلموا أنّ مخالفة مُستمعيهم أو طلّابهم لهم في الرأي هي علامة حيويّة تدلّ على وعي ونضج في التفكير يجب أن يُشجّع ويوجّه!
أمّا موجات القمع المستمرّة التي يُمارسها البعض على طلّابهم أو متابعيهم فتدلّ على خلل عميق في التفكير، تكون نتائجها المستقبليّة كارثية، تنتهي إمّا بالتقوقع على الذات مع تشوّه حقيقيّ في معالم الشخصيّة، أو في موجات عنيفة من الشيطنة والتكفير أو الإلحاد، قد تصيب المُفكّر ذاته! 

إنّ حلّ المشكلة لا يكمن في القبول أو الرفض المطلق للآخر ... وإنّما في المحاكمة الرصينة لكلّ ما يقوله أو يكتبه ... فتكون الموافقة أو المخالفة في ضوء المنطق والبرهان .... فالتصفيق والتطبيل الأعمى يصنع الأصنام ويلد العبيد ... في حين تخرج الشياطين من رحم الصمم والرفض المُطلق للآخر. 

----------------------------------------------------------------------

عبادة الحمصي

11/7/2014

2014/05/08

وَ غَدًا أنت



عضّ على الكأس بأسنان رماديّة فانهمر في جوفه شلالٌ أحمرٌ بارد. انفرجت شفتيه مرسلة بجشأة مقززة, وعلى ارتفاع ثلاثة أمتار من خلف زجاج مطعم الشروق, صرخ خلدون بغضب: 
لعنة الله على أبو صبحي, صار عمره ستين سنة وما زال يشرب الخمر ويدخن ويتجشّأ كالأبقار. 
لم ينبس عمران بحرف. 
تابع خلدون: ألا يعلم هذا الرجل الأخرق أنّ قرشًا واحدًا ينفقه على أولاده خير له من هذه العربدة والمجون.
عمران: لكن يا خلدون قد ...
"لكن ماذا؟" قاطعه خلدون بعينين تقدحان بالشرر. ضرب الطاولة بجمع كفّه, ثمّ صرخ بانفعال: هذه الأشكال تحتاج لإبادة. رجل بهذه السن, ويشرب الخمر, صحيح أنّنا في آخر زمان! 
التزم عمران الصمت وجعل يرنو لأبي صبحي من خلف الزجاج.
كان أبو صبحي قد اعتكف على جذع شجرة مقطوعة بظهر مقوّص ويد مرتجفة وزجاجة خمر عتيقة. عيونه الشاردة عانقت بلاطات الرصيف المهشّم, وقد طغت عليهما حواجب رماديّة عريضة. كومة من الشعر تناثرت على رأسه كمكنسة قديمة, وطيف من الكآبة ابتلعه مخلّفًا منه نسخة شبحيّة أقرب للموتى. كانت يده المرتجفة تحمل الزجاجة بصمت وتفرغها في مغارة نهمة لا تشبع.
"عمرااان" صدح خلدون بنزق.
"ماذا" تنبّه عمران قالعًا عينيه عن الزجاج, ومنتشلًا نفسه من موجة شرود عنيفة.
 أسند خلدون ظهره للكرسيّ داسّا في فمه حبل نرجيلة طويل, مصمصمه بنزق ثمّ تابع بكلمات ساخرة مشبعة بالدخان: لا يغرك المظاهر يا حبيبي.
"ماذا تقصد" قال عمران بحاجبين مُشرّعين 
أخرج خلدون النبريج من فمه مرسلًا بسحابة غير مكترثة: هل تعرف قصّة هذا الرجل؟
هزّ عمران رأسه نافيًا
اسمع إذًًا, وضع خلدون النرجيلة جانبًا ثمّ دفع كرسيه نحو الطاولة مدنيًا رأسه من عمران: الحيوان الجالس في الأسفل –أومأ برأسه ساخرًا- كان من أغنى أهل المنطقة, فقد تعلّم التجارة منذ الصغر, لكنّه الغباء . ضحك خلدون هازًّا رأسه؛ تابع: بين ليلة وضحاها صار يتعاطى الخمر ويُقامر ويشرب الدخان بنهم, تركته زوجته وألقت له بابنته. لكنّه ظلّ يُقامر ويخسر الأموال حتّى ارتهن بيته وسكن الشارع!
 "وماذا عن ابنته" تساءل عمران بانفعال. 
ابنته صارت ترقص في الحانات كي تعتاش !!
لا حول ولا قوّة إلّا بالله, أطّرق عمران رأسه وكأنّ همًّا قد غشيه ..
"لك ما قلتلك هذا حيوان" قهقه خلدون عائدًا بظهره إلى الكرسي ومبتلعًا المزيد من الدخان. 
"علّ هناك سببًا لا نعرفه" نطق عمران متأمّلًا خشب الطاولة أمامه.
تجمّد خلدون كمن تلقّى صدمة مباغتة ثمّ انفجر بصديقه كالبركان: السبب هو أنّه حقير وديّوث وعديم شرف و ..
"يكفي .. خلدون يكفي"  صدح عمران فاقد الصبر 
أردف خلدون بنبرة متشفيّة وعينان تلتهبان: لك هذا أحقر مخلوق في الوجود, ولا يُمكن أن يفعل أعماله إلّا إنسان دنيء مثله . مهما ساءت الظروف لا يُمكن أن يترك أحدهم ابنته تعمل كراقصة في الحانات  ... عمران إلى أين أنت ذاهب ... ... توقّف... توقّف , صرخ خلدون متفاجئًا
"سمعتُ بما فيه الكفاية" ألقى عمران بالكلمات من خلف ظهره, رمى أبو صبحي بنظرات مشفقه, ثمّ غادر المطعم تاركًا خلدون يُتابع سيل شتائمه وحيدًا, كالمجنون.

**********         **********         **********
(بعد ثلاث سنوات)

والله يا ابني لن أنسى لك ما فعلته معي, أنت أوّل إنسان يهتمّ بأمري.
لا مشكلة يا عمّ ... فقط ادع لنا
كلّه من رفاق السوء وتلك الزوجة الساقطة التي ولدت لي من الحرام ألا لعنة الله علــ ...
توقّف عمران فجأة, نظر للرجل معاتبًا: ألم نتفّق يا عمّ أن ننسى الماضي وننظر للمستقبل ...
صحيح يا ابني: صدح أبو صبحي بصوت مبحوح.. طبع على جبهة عمران قبلة حنونة, ثمّ قال بامتنان: والله لن أنسى ما فعلته لي.
اكتفى عمران بابتسامة خفيفة ممُسكًا بيد الرجل ..وتابعا طريقهما نحو المسجد.

**********         **********         ********** 
اخرسي يا حقيرة ..
لا لن أخرس ... أصلًا أنا جئت هنا لأخبرك أنّني لن أعيش في مستنقعك بعد الآن أنا ذاهبة لأرى حياتي بنفسي .. وداعًا يا خلدون ... وداعًا يا حقير ..
انتفخت أوداجه غضبًا, حمل كأس الشراب وهمّ برميه في وجهها قبل أن تتعثّر قدمه برجل الطاولة ويهوي على الأرض. .. ساح الشراب على البلاط محمّلًا بأشلاء زجاج لامعة .. وتجمّع حول جسده لاسعًا ثغور جروحه  ...  كانت عيون خلدون ترقب رجلتين عاريتين وكعب أحمر عالي وشعر أسود متموّج يبتعد عنه بقرف ... تعالي يا سلوى ... تعالي يا حبيبتي ....  صدح خلدون بأسى زاحفًا فوق أشفار الزجاج الحادّة. 
تابعت المرأة مشيتها بذات الوتيرة غير آبهة باستغاثات زوجها وتمتمات الزبائن.
استجمع خلدون قواه .استند لركبتيه هامًّا بالنهوض, وما هي إلّا خطوة واحدة حتّى انزلقت قدمه وغطس رأسه بكومة جديدة من الزجاج ... أطلق خلدون زعقة مدويّة ... وتقافز النّاس حوله متقاطرين من جميع أطراف المطعم ... "اتصلوا بالإسعاف يا عااالم"  صرخ أحدهم ..
 انتشل بعض الحاضرين هواتفهم ضاربين رقم الإسعاف, إلّا أنّ رجلًا شقّ الجموع فجأة منتشلًا جسد خلدون: ابتعدوا يا شباب سآخذه بسيّارتي. 
انحشر الجسد المُسجّى بالدماء والخمر في مقاعد السيّارة الخلفيّة وانطلقت السيّارة كالصاروخ تنهب الأرض نحو مشفى المدينة المركزيّ.

**********         **********         ********** 

يُمكنكم رؤيته الآن, صدح الطبيب المشرف مطلًّا برأسه من غرفة العمليّات.
دخل عمران وتبعه الرجل.

**********         **********         **********

قدمه اليمنى عانقت السقف ورأسه تبرقع بشاش أبيض . أمّا يداه فلفّتا بأشرطة موميائيّة غليظة. 
فتح خلدون عيونه بصعوبة شديدة, كتلتان هلاميتان تراقصتا أمامه, حاول التعرّف على ملامحمها لكن من دون جدوى. 
"الحمد لله عالسلامة" صدح الرجلان
الله يسلمكم: كلمات خفيفة انسلّت بصعوبة من فم خلدون
"من أنتم" أردف بصوت يأنّ تحت وطأة البنج
أنا عمران: صدح وهو يضمّ كفّ صديقه الشاحبة
"عمران" ردّد خلدون بدهشة, وأخذت دموع حارّة تتكاثف في عينه وتهوي على صفحة وجهه المصفرّ.
 التزم عمران الصمت.
 تعالى أزيز خلدون واشتدّت شهقاته:  أنا ..  ..نـ .. د ..م .. ا.. ن ... انسلّت منه الكلمات بصعوبة وتفجّرت في عيونه ينابيع دمع غزيرة ... ابتلع خلدون ريقه محاولًا استخراج المزيد من الكلمات ... تباعدت شفتاه مفرجة عن حروف ملؤها الامتنان: .. شُ..ك..رً..ا .. 
على ماذا تشكرني يا رجل أنا لم أفعل شيء ... ردّ عمران مستنكرًا
اتسعت عينا خلدون وقد انبجس منهما ألف سؤال ... لكنّ عمران تابع مستدركًا دهشة صديقه: بل إن أردت أن تشكر أحدًا فاشكر العمّ –أشار للرجل الواقف بجانبه- فلولا سيّارته لما استطعنا الوصول لهنا .. 

دقّق خلدون النظر في سمات الرجل وقد بدأت الغشاوة تنجلي عن عنينيه. كتلة هلاميّة بدأت تأخذ ملامحها شيئًا فشيئًا, انقدحت في ذهن خلدون شرارة ثلاثة سنوات غابرة, التمعت خلايا ذاكرته, وارتجّت الدماء في عروقه. دولاب من الذكريات تدحرج بغتة مصطدمًا بعينيه لتمرّ المشاهد أمامه كلمح البصر, الحواجب الرماديّة العريضة ... الشعر المشعّث ... العيون الشاردة, تسارعت ضربات قلب خلدون وارتجفت شفتاه مرتعدةً, حاول الكلام لكنّه عجز, ارتفعت سبابته المرتجفة مشيرة نحو الرجل, وتحرّك لسانه ببطء مخنوق بالدهشة:
.
.
أ.. ب ..و  ..  ص...ب..ح ..ي !!
______________________________________________

عبادة الحمصي
25/4/2014

2014/04/19

عقولنا بين التفكير والتكرير


عندما يتحوّل العقل إلى صندوق سلبيّ يبتلع المعلومات بنهم ويكدّسها في رفوف الذاكرة دون أدنى معالجة أو ربط. تتشوه حقيقة الإنسان وينقلب لآلة خرقاء تجترّ الأفكار وتعيد إفرازها بذات الصورة التي دخلت فيها. فينتج لدينا ما يُسمّى بالعقليّة السلبيّة أو العقليّة المتلقية.

إنّ العقليّة المعلوماتيّة أو الموضوعيّة المتلقيّة –كما يُسميّها الدكتور المسيري- هي العقليّة التي تهتم بحشد أكبر عدد ممكن من المعلومات دون أن تتكبّد عناء معالجتها وتفكيكها ثمّ ربطها بأفكار أخرى. وهذا ما يؤدّي بطبيعة الحال إلى غياب عنصر التفكير وظهور عناصر الحفظ المكرّر التي يتساوى فيها العقل الإنسانيّ بعظمته, مع قرص صلب أو فلاشة حقيرة تختزن الآلاف بل الملايين من المعلومات.

إنّ هذه المشكلة التي يراها البعض بسيطة قد أرّقت كبار المفكّرين وأكثرهم تعمّقًا في المباحث العلميّة والنفسيّة. فنجد أنّ مفكّرًا بقامة الدكتور المسيري قد اعتبر هذه المشكلة ذئئبًا خطيرً ينهش في دماغ المفكّر ويمتصّ دماء عمره ويغرقه في وحل الماديّة العمياء. فحين يُصبح همّ الباحث أو المثقّف هو حفظ أكبر عدد ممكن من المعلومات أو قراءة أكبر عدد من الكتب أو حضور أكبر عدد من المحاضرات دون أن يبذل فيها عناء الفهم والمعالجة, تفقد كلّ تلك الأشياء قيمتها ويتحوّل العقل لصندوق سلبيّ أشبه بالقرص الصلب كما أسلفنا.
فوظيفة الباحث أو المفكّر الحقيقيّة, هو الإطلاع على ضروب المعارف المختلفة ثمّ محاولة إيجاد الرابط الخفيّ الذي يضمّها في حزمة واحدة, لتتشكّل بعد ذلك شبكة كثيفة من المعلومات المترابطة التي تؤلّف بدورها ما يُشبه البناء أو الهرم, وهذا ما يُسمّى بالتفكير النسقيّ الفلسفيّ, ومن هنا يبزغ الفكر !

إنّ وظيفة العقل الحقيقيّة هو ليس تلقيّ المعلومات فحسب بل معالجتها وتفكيكها ثمّ إعادة تركيبها في إطار فكريّ معيّن مستعينة بأحجار ولبنات أخرى مُستقاة من منابع معرفيّة مختلفة.
ولأنّنا نعيش اليوم في مجتمع  تطغى فيه ثقافة العقل المتلقيّ على العقل التوليديّ –كما يسميه المسيري- يُصبح من الصعب فهم فكرة الربط والتحليل والتركيب. فالمؤسّسات الأكاديميّة ابتداء من المدرسة وانتهاء بأكبر جامعة غالبًا ما تقوم أجنداتها على سبر قدرات الطالب الإستذكاريّة دون قدراته النقديّة التحليليّة. فتضيع سنوات العمر سُدى ويخرج الإنسان من تلك السلسلة العلميّة بجيوب فكريّة خاوية وببعض المعلومات الهشّة ذات البعد الأحاديّ التي تنحصر مواطن استخدامها في قاعات الإمتحان فحسب ! هنا يتمّ سلخ المعرفة عن الفكر والحياة والإنسانيّة وهذا ما يؤدّي لحالة من الغربة الفكريّة التي يضيع فيه المثقّف أو الطالب في بيداء المعلومات المشتتة شديدة الإنفصال والتباعد. وهذا ما يُفسّر خروج طلّابنا من المدارس بعقول شبه فارغة إلّا من بعض المعلومات المبعثرة التي سرعان ما يعلوها غبار النسيان. ولأنّ قضيّة إصلاح الأنظمة التعليميّة من القضايا شديدة التعقيد والتشابك التي تحتاج لجهد مؤسّسات دول لا جهد أفراد, وجب على الطالب أن يتولّى مهمّة تفكيك المعلومات وربطها ومعالجتها! فمواد كالرياضيّات والفيزياء والكيمياء والطبيعة والعربيّة وغيرها لن تُثمر ما لم يتمّ ربطها جميعًا وتوظيفها في إطار فكريّ معيّن, ولو أنّنا تأمّلنا في كتابات المفكرّين الغربيبين لوجدنا هذا موظّف بشكل كبير في كتاباتهم, ففي مجال علم الإجتماع على سبيل المثال نجد المفكّر الشهير إيميل دوركايم يُشبّه المجتمع بالجسد الواحد الذي تتآزر فيه جميع أعضائه للمحافظة على حياته وضمان سعادته ! وقد سبقه إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور:
"مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى", وكذلك نجد عالم نفس الإجتماع الفرنسيّ غوستاف لوبون يُشبّه أعضاء المجتمع في كتابه ,سيكيولوجيا الجماهير, بالعناصر الكيميائيّة البسيطة التي ما أن تتحدّ حتّى تُنتج مُركبًّا جديدًا له خصائصه المتفردة عن عناصره الأوليّة. وهذا هي الفكرة الأمّ التي يتمحور حولها كتابه حيث يؤدّي تلاقي الأفراد في جماعات وظيفيّة إلى اتحاد سيكلوجيات عديدة وتفاعلها لتتنج عنها سيكلوجية جديدة متفرّدة سمّاها الكاتب بسيكلوجيا الجماهير. ما أريد قوله أنّه لولا توظيف دوركايم للبيولجيا في نظريته, وتوظيف غوستاف لوبون للكيمياء في مدرسته النفسيّة الجديدة لما استطاع هذا العالمان أن يأتيان بأمثال تلك التشبيهات الصميميّة التي تقرّب المفاهيم وتخلع على نظرياتهم طابًعا من العمق والتحليل. ولذلك نجد أنّ موضوع تلاحم المعارف وتعاور الأفكار هو من الشروط الأساسيّة لصناعة الفكر وتأطير النظريات الجديدة. أمّا العقليّة المتلقيّة العمياء فلا يندّ عنها في أحسن الأحوال إلّا حشد ساذج لجيش عرمرم من الأفكار دون وجود رابط حقيقيّ فيما بينها.

إنّ عقلية التلقيّ المعلوماتيّ كانت من العوامل الأساسيّة في ظهور المدارس العدميّة, حيث أنّ هذه المدارس تقوم على اختزال الإنسان لعناصر أوليّة بسيطة دون مراعاة طبيعته الفريدة التي تقوم على التراكب والتلاحم. فالإنسان من المنظور الماديّ هو ذلك الجسد البيولوجيّ الذي يدور في فلك المادّة المجرّدة. ومن هنا تشظّت المدراس الماديّة وتشعبّت, فبالرغم من أنّها أجمعت على موت الإله وغياب الروح إلّا أنّها اختلفت حول النقطة الإختزاليّة التي يجب أن يُردّ إليها كيان الإنسان ككلّ, ففرويد مثلاً وجد أنّ حياة الإنسان الماديّة تتمحور حول الجنس, أمّا ماركس صاحب نظريّة الصراع فيرى أنّ الإنسان كائن اقتصاديّ, وهناك فلاسفة  آخرون يردّون جوهر الإنسان إلى نقاط ماديّة أخرى. فعندما نتأمّل اللبّ الذي تقوم عليه الفلسفة الإلحاديّة نجدها تُهمل وتزدري الجانب الغائيّ للحياة حيث ينحصر تفكيرها في الجانب العلّي. فالتساؤل الإنسانيّ الذي يبدأ بـِ "لماذا" يُعدّ من المحرّمات الفكريّة أو الترهات الكلاميّة التي لا قيمة لها. بل إنّ أكثر ما يهمّ هؤلاء الفلاسفة هو الوصول للإجابات على الأسئلة الكيفيّة التي تنحصر في تحليل وفهم الطريقة التي يسير فيها الوجود. فنحن حين نتأمّل هذا الكون الشاسع نلحظ كلّ هذا التعقيد والتراكب والتوائم والإنسجام الذي تنطوي عليه بنيته ابتداءً من الذرّة وإنتهاءً بالمجرّة, ويثور في ذهننا سؤال فوريّ وهو "لماذا" ؟ لماذا خلق الله الكون؟ ما سرّ هذا التراكب العجيب؟ ما سرّ الجمال؟ يغيب الإنسان في دوّامة تأمّل يخرج منها بأجوبة قليلة وأسئلة كثيرة, إلّا أنّ التأمّل في السؤال الأخير وحده, في سرّ جمال هذا الكون, يُهيّج الدماغ ويطرق أبواب موصدة من التفكير, فيُحلّق الإنسان في فضاءات وسماءات جديدة من التأمّل والإستنباط .. وربّما يكون هذًا هو سرّ اتصّاف الله في الجمال (إنّ الله جميل يحبّ الجمال). فالجمال لا يُمكن يتأتى عن المادّة أو ينجم عن التلاقيات داروينيّة عشوائيّة بل إنّه نفحة قدسيّة يقبع سرّها فيما وارء هذا الوجود.
وحتّى لا نقع في فخّ التعميم وجب الإشارة إلى أنّ مشكلة العقل المتلقيّ عند المفكّرين الماديين لا تنتج عن غياب آلية الربط والتفكيك والتركيب بشكل كلّي وإنّما تنتج عن حصر آليات الربط ضمن حجرات ضيّقة لا تتجاوز المادّة, ولهذا قلنا أنّ سؤال "لماذا" فيما يخصّ الوجود والجمال الإنسانيّ يُعدّ من المحرّمات –بنظر هؤلاء الفلاسفة-.

ولكّننا إن أردنا مجانبة الإنصاف لوجدنا انّ مشكلة العقل المتلقيّ تستشري بشدّة بين العقول الإسلاميّة أيضًا, ابتداءً من طلّاب الشريعة التقليديين وانتهاء بالشيوخ والعلماء الكبار. فعقليّة حشد المعلومات وتكديسها طغت على الروح النقديّة والجانب التحليلي. فنجد أنّ غاية طالب العلم باتت منحصرة في حفظ أطنان من الأسانيد والأحاديث بصورة رتيبة آليّة دون محاول تفكيك هذه الأحاديث واستنباط المعاني الكامنة وراءها ثمّ محاولة تركيبها في ضوء القرآن. قد يكون التخصّص من الأمور الأساسيّة والضروريّة في عصرنا الحاليّ فالعالم بات ينحو نحو التخصّص مع تشعّب العلوم وتفرّعها, إلّا أنّنا إن أتينا لموضوع الإسلام والشريعة لوجدنا أنّ منحى التفكيك يودي إلى نتائج كارثيّة, مميتة للأفراد والأفكار معًا! فحين يقرأ طالب الشريعة الأحاديث النبويّة قراءة منفصلة عن السياق التاريخيّ المتزامن معها أو يُحاول فهمها بصورة أحاديّة يتمية بمنأى عن جوهر القرآن ومقاصده, تبدأ التقيّحات الفكريّة والتناقضات العقليّة بالظهور على السّاحة, فيقفز من ينادي بإقامة حدّ الردّة, وآخر يصرخ مطالبًا غير المسلمين بدفع الجزية, متناسيًا بذلك الأُطر التاريخيّة التي وردت فيها تلك الأحاديث. فلو أنّنا أتينا لموضوع الجزية في محاولة لاستشفاف مقاصدها وفهم فلسفتها لوجدنا أنّ الهدف منها هو المساهمة في حفظ الدولة كبدل أو تعويض عن عدم إنخراط ذلك الشخص في الجيش الوطنيّ المسلم, وبما أنّ الجيش الوطنيّ اليوم بات خليطًا من المسلمين والنصارى وسائر الديانات الأخرى فإن حكم الجزية يسقط لانتفاء علّته. والأمر ذاته ينسحب على حدّ الردّة, فحين يأتي عالم أو طالب علم وينتزع حديث واحد صحيح من زحمة نصوص وأحاديث الأخرى, ثمّ يُصرّ على الإلتصاق بالتطبيق الحرفيّ له دون أن يبذل أدنى جهد في معالجته وتفكيكه ثمّ تركيبه, فإن ذلك الشخص يقع في مستنقع من التناقضات, ويُصبح في مواجهة مباشرة مع بدهيّات عقليّة وقرآنيّة. فمن البدهيّات القرآنيّة التي لا مراء فيها هو حريّة الإعتقاد, يقول الله تعالى:
"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ويقول : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" , "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" ,"لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ", وغيرها من الآيات.

 للوهلة الأولى يظنّ المرئ أنّ هناك ضربًا من التناقض بين الأحاديث والقرآن لكنّه ما أن ينفض عنه العقليّة المتلقيّة السلبية ويلجأ للعقليّة الإنسانيّة التوليديّة التفكيكيّة, حتّى يُبصر ما وراء كلمات الحديث "من بدّل دينه فاقتلوه",ينجح عندها في فهم الفلسفة الكامنة وراء هذا الحديث في ضوء التاريخ والمنطق حيث يجده ينطبق على فترة زمانيّة معيّنة ترافقت مع ظروف خاصّة, ففي ذلك الزمان الغابر قبل 1400 سنة كان للردّة تضمينات أعمق وأبعد من مجرّد تغيير المعتقد الدينيّ, بل إنّها تزامنت مع التخندق في معسكر الكفّار وإعلان الحرابة ضدّ المسلمين, لذلك نجد أنّ علّة القتل هو الحرابة وليس تبديل الدين! بهذه النظرة التأمليّة الشاملة يزول التناقض العقلّي ما بين الأحاديث والنصوص القرآنيّة. فلا يصحّ النظر للقرآن الكريم والأحاديث النبويّة إلّا ككيان واحد يصبّان في بغية وهدف محدّد. ومن هنا توجّب على طالب الشريعة أو الفقه أن يتعمق في فهم جميع جوانب الموضوع قبل أن يبستر حكمًا متسرعًا يحيد فيه عن سلك الحقيقة وينتهج طريقًا معوجًّا يودي فيه وبمتبعيه إلى مستنقعات الضلال والجهل.

إنّ الطريقة النسقيّة أو الفلسفيّة في التفكير قد تتطلّب من الباحث جهودًا حثيثة في البحث عن المعلومات وفهمها أولًا ثمّ معالجتها وإعادة ترتيبها في نسق فكري معيّن. وقد تبدو هذه العمليّة شاقة ومرعبة للكثيرين لأنّها تتطلّب مجهودًا فكريًا ضخمًا يتجاوز المجهود الإعتياديّ المبذول عادًة في حفظ المعلومات وتكديسها. كما أنّه يتطلّب شجاعة وجسارة في طرح تلك الإرتباطات والعلاقات الناتجة عن عمليّة التأمّل تلك, لأنّ المفكّر قد يقع فيما يظنّه البعض تناقض في حين أنّه تكامل, فمن الطبيعي أن يغيّر المفكّر من نظرته للوجود والكون ومختلف القضايا الإنسانيّة والحياتيّة, خاصّة مع تعمّق مسيرته العلميّة والفكريّة. فمع مرور الوقت تُصبح الأمور في حالة تشابك وتعقّد مستمرّ. تبتعد الصورة عن عيون ذلك المفكّر وتتقلّب أمامه في فضاء ثلاثيّ الأبعاد ليفهم عندها الإرتباطات بصورة أوعى وأكبر, كالإنسان تمامًا حين يركب الطائرة ويرمق البساط الأرضيّ من علّ, ليشهد نوعًا من التشابكات والإرتباطات لم يدركها عندما كان على سطح الأرض, ثمّ إن هو سافر في مكوك فضائيّ ورامق الأرض والكواكب والشمس من نقطة سوداء معتمة في هذا الكون ازدادت حجم الإرتباطات والتشاباكات أمامه وابتعدت الصورة عن نظره أكثر فأكثر, ليصبح أقدر على فهمها بعد أن سَبَرَ أغوارها من الداخل والخارج معًا!

ربّما آن الآوان لننفض عنّا منهجيّة التلقيّ العمياء لنتبنّى منهجيّة علميّة تليق بإنسانيتنا وعقولنا, منهجيّة قائمة على التفكير لا التكرير ؟!

__________________________

عبادة الحمصي
18/4/2014